زكريا القزويني
387
آثار البلاد واخبار العباد
واستقامة الطبع ، ومعرفة وزن الشعر وعلم الغناء ، وذلك يترشح منهم حتى من نسائهم وصبيانهم ، وكلّهم على مذهب الشافعي ، ما فيها واحد يخالفهم إلّا الغريب . وبها رباطات ومدارس ومارستانات والطاق الذي على باب الجامع ، وهو طاق عال جدّا مثل طاق كسرى ، على طرفيه منارتان في غاية العلوّ ليس في شيء من البلاد مثله . وفي وسط الجامع خزانة الكتب المنسوبة إلى الوزير أبي طاهر الخاتوني ، فيها كلّ كتاب معتبر كان في زمانه مع أشياء نادرة من الخطوط المنسوبة والاصطرلابات والكرات . ومن عجائبها أن الترنجبين يقع في كلّ ثلاثين سنة بأرضها على الشوك الذي يختصّ به ، ويكثر حتى يجمع ويبتاع على الناس منه شيء كثير ، وأنا شاهدت ذلك مرّة . وينسب إليها القاضي عمر بن سهلان . كان أديبا فقيها حكيما خصّه اللّه تعالى بلطافة الطبع وفطانة الذهن ، وفصاحة الكلام ومتانة البيان . جميع تصانيفه حسن ، وكان معاصر الإمام حجّة الاسلام الغزالي . ومن عجائب ما حكي من لطف اللّه تعالى في حقّه انّه قال : أردت الاشتغال بالعلوم وما كان لي مال ولم يبن في ذلك الوقت شيء من المدارس ، وكان له خطّ في غاية الحسن ، قال : كتبت ثلاث نسخ من كتاب الشفاء لأبي علي بن سينا ، وكان إذ ذاك للشفاء رواج عظيم ، بعت كلّ نسخة بمائة دينار وأودعت ثمنها ثلاثمائة دينار عند بزّاز صديق لي . وكلّما احتجت أخذت منها وأنفقت حتى غلب علي ظني اني استوفيتها ، فانقطعت عنه ، فرآني الرجل وقال : ما لي أراك تأخرت عن طلب النفقة ؟ قلت : لأني استوفيتها ! قال : لا ، بعد أكثره باق ! فكنت أمشي إليه بعد ذلك مرّة أخرى ثمّ انقطعت لمّا علمت اني استوفيت أكثر من مالي ، فرآني وقال : ما سبب انقطاعك ؟ قلت : جزاك اللّه عني خيرا ! اني استوفيت أكثر من مالي ! فقال : لا تنقطع فإنّه قد بقي منها بعد كثير !